الجاحظ
99
البخلاء
فإذا هو يكتنز شحما . وقد كان غص بلقمة ، وهو المستسقي ففرغ من الشراب ، وقد غرف من بطنها كل إنسان منهم بلقمته غرفة . وكان عيسى ينتخب الأكلة ، ويختار منهم كل منهوم فيه ، ومفتون به . فلما خاف عليّ الأسواري الإخفاق ، وأشفق من الفوت ، وكان أقربهم إليه عيسى ، استلب « 1 » من يده اللقمة بأسرع من خطفة البازي « 2 » ، وانكدار العقاب « 3 » ، من غير أن يكون أكل عنده ، قبل مرّته . فقيل له : ويحك ! استلبت لقمة الأمير من يده ، وقد رفعها اليه وشحا لها فاه « 4 » ، من غير مؤانسة ولا ممازحة سالفة . قال : لم يكن الأمر كذلك ، وكذب من قال ذلك . ولكنا أهوينا أيدينا معا ، فوقعت يدي في مقدّم الشحمة ، ووقعت يده في مؤخر الشحمة ، معا . والشحم ملتبس بالأمعاء . فلما رفعنا أيدينا معا ، كنت أنا أسرع حركة ، وكانت الأمعاء متصلة غير متباينة ، فتحوّل كل شيء كان في لقمته بتلك الجذبة إلى لقمتي ، لإتصال الجنس بالجنس ، والجوهر بالجوهر . وأنا كيف أؤاكل أقواما يصنعون هذا الصنيع ، ثم يحتجون له بمثل هذه الحجج ؟ ثم قال : إنكم تشيرون عليّ ، بملابسة شرار الخلق ، وأنذال الناس ، وبكل عياب متعتّب ، ووثاب على أعراض الناس متسرع . وهؤلاء لم يرضوا أن يدعوهم الناس ، ولا يدعوا الناس ، وأن يأكلوا ولا يطعموا ، وأن يتحدثوا عن غيرهم ، ولا يبالون أن يتحدث عنهم ، وهم شرار الناس . ثم قال : اجلس معاوية ( وهو في مرتبة الخلافة ، وفي السطح من
--> « 1 » إستلب : اخذها من يده بسرعة . « 2 » البازي : نوع من الطيور الجارحة . « 3 » انكدار العقاب : انقضاضه السريع . « 4 » شحالها فاه : فتح لها ثغره .